الصمت لمعة الروح
ااااااااااااااااااااااااااا
.
الصمت هو البلاغ الأبلغ ، والمسافر المتصل بمبتغاه من أول خطوة ، والمتكلم بما لم تستطعه العبارة من أول ملمحٍ يتكلم ، الصمت هو التقنية الأجدى للاتصال المنشود ، والعذر المؤثر لكل من خانته العبارة ، فاستعملوا الصمت يا جماعة الخير ، ويا جماعة الحب ، ويا جماعة الشعر ، استعملوا لمعات الصمت التي تتجاوز حدود الحروف ، انصبوا رايات الصمت للاستراحة خلف كل دلالة وقافية ، لكي تبوح النقاط الناشئة بعد كل لمحة روح ، وتقول البصمات التأملية للعقل الباطن ما تيسر من مضمونٍ حي ، وتبين للشعور الباحث عن الواقع المعقول مكنونات الآخر ، فالكلمات لا ترقى أن تعبر عن وجدانٍ صادق ، قد تضلل وتنم عن شيء آخر نحن بريئون منه ، حتى المجازات والتشبيهات قد تظهر المقصود أضعف مما هو في الأصل ، أو تشبِّه الحي بالميت ، والقوي بالضعيف ، أو تبعد السهم عن قصد من صوّبه ، أو تأخذنا من واقعٍ إلى واقعٍ آخر ، فالحروف تقرب الفهم ولا توصِّل المفهوم كله .
لما نحلم في اليقظة أو في المنام نتكلم دون حروفٍ وكلمات ، ونفترض السيناريوهات ، ونختلق الدراما العذبة ونعيش فيها أجمل اللحظات ، بل يدمن البعض أحلام اليقظة ، لأن المتكلم هو السامع وليس هناك لغة فاصلة فيتم صنع القصد وفهمه من مصدره المباشر ، وحينما يتخذ شخصٌ ما موقفا من شخصٍ غائب فيحل في قلبه ما يحل من الكره والانتقام بسبب الكلمات الواردة إليه منه أو عنه ، وحين يلتقيه يرى من عينه وملامحه ولغة جسده ما يذيب كل جبال الغل ولولم ينطق بكلمة واحدة ، أو يرى العكس ولم يتفوه بشيء .
هناك غربة وتباعد بين مكنونات ونوايا الناس ، وما ينطقونه عنها وطريقة فهم المنطوق ، فعندما تطاولت الأفكار والأفهام لتوصيف وتوصيل هيئة الله سبحانه وأوصافه بالحروف والكلمات المستهلكة ، كفّرت جماعات الإسلام بعضها البعض ، وأساءت الأدب مع الله ، وتشرد اليقين المألوف والمطلوب والمرسوم من قبل الله بما يتناسب مع خلقتنا وخلاقنا ، والسبب في ذلك الكلمات والحروف واستعمال المجازات والتشبيهات لإنها لا تستطيع أن تصل لما هو أعلى وأبعد من مرامي مقاصدها وتعبيراتها ، وأنها تعبر عن مستوى إدراك صاحبها المحدود وتنقل منتوج اجتهاده بدقة أقل من الحقيقة ، ثم يتلقاها الآخر بمستوى قدرته للتلقي ، ثم ينقدها آخر بمستوى قدرته التعبيرية وبالحروف والكلمات التي تخدع الآخرين وتميل بهم عن مقصوده المتواضع .
هكذا تلعب بنا الكلمات والحروف وتقصقص الحقيقة التي استطعنا أن نستحقها بقدرتنا البشرية إربا ميتة ، تقطعها فينتج عن ذلك تنوع الأفهام وتشابه الانطباعات المتخذه ، وتنوع توجهات الإنتماءات والولاءات وتشابها ، ورغم ثبات بعض الآراء واستمساكها المتشبث بحزام أمان الدليل القرآني والنبوي ، إلا أن الإنسان المحدود قدراته يعجز أن يُنظِّر ويجزم ويتخذ موقفا طبقا لذلك ، فالحقيقة تتجلى له بمقدار وعيه ، وبقدر ما يستطيع أن يتيقن ، فإذا زعم أحدٌ كمال الحقيقة لدية فقد تحدى الحقيقة نفسها ، وحارب وحورب وأنكره الزاعمون الآخرون لحقيقةٍ أخرى .
هناك من تنبه واستشعر بقصد أو بغير قصد حجم الكلمة ودورها المحدود والقاصر في الإبلاغ ، فنزار قباني يقول "والصمت في حرم الجمال جمالُ " والصوفيون مثلا لهم خلوات ورياضات تعبدية تجاوزت اللغة ، كالصمت المتأمل والتأوهات الخالية من الحروف المنبثقة من عطش العاطفة ، وترديد بعض أسماء الله وتكرارها مع الشعور بتجاوز اللفظ المجرد ، والتنقل مع الخيال من معنى إلى معنى ومن مستوى إلى مستوى يتجاوز المدارك السائدة والمتداولة .
لذلك أجد أشعارهم مضمخةً بأرواحهم وموشحةً بصدق الحب ، ولا أقصد هنا صوفية الدروشة والخرافات ولست صوفي .
يا جماعة الله اصمتوا أمام ربكم لتقولوا بما تقوله الفطرة ، ويقوله صدق التوجه وصدق العذر ، وصدق شعور التسليم..
يا جماعة الحب اصمتوا أمام أحبابكم ، دعوا الملامح والجوارح تتولى ترجمة ما يجيش بها دون كلمات عارية ، كلمات لا تشعر ولا تحس ، فليس كل دمعٍ يبكي ، وليس كل بسمةٍ تضحك ، وليس كل صمتٍ يُقرأ ، وليس كل من عبّر وكتب قد أشمل وأكمل بالمعنى المراد ، والدليل هو هذا المقال الذي أكتبته الآن فالكلمات فيه لم تعبر عما يجول ويجيش في خاطري سوى 30% فقط .
بقلم عثمان المسوري
✅🔰

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق